القاضي عبد الجبار الهمذاني
8
تثبيت دلائل النبوة
العرب والعجم لأديانهم ، ويأنفوا لأنفسهم وآلهتهم ، فيستأصلونه ويصطلمونه « 1 » ويقتلونه ويمحون أثره . فلما سلم مع الحرص على قتله ، وآلت الأمور إلى ما قال ، علمت وتيقنت أنه من قبل اللّه ، لأن مثله في هذا مثل من قال إني أخوض هذه النار المضرمة فلا تحرقني ، أو كمن قال : أتردّى من شاهق على / الأسنّة وانا عريان فلا تنفذ فيّ ، أو كمن قال : أدخل من هذه السباع الضارية الجائعة التي قد أغضبتها وقتلت أولادها وهي حريصة على افتراسي ومحتاجة إلى قتلي والراحة مني فأسلم منها ولا تقتلني ، فهذا باب شاف . وباب آخر [ وعده وهو في وحدته اته سيكون في جماعات كثيرة ] وهو ما كان وعد وقال وهو في وحدته ، إني سأصير في جماعات وعساكر فكان كما قال وأخبر ، لأنه حين دعاهم أنكروا قوله وأكفروه وتلقوه بالردّ والتكذيب ، ثم ما زال والنفر بعد النفر يجيبونه ، حتى صار في عساكر ، فاعتقدوا بصدقه ونبوته ، وصاروا له جندا مطيعين ، وحزبا متفقين ، ينفقون أموالهم ويسفكون دماءهم في طاعته ، ويفرّون من آبائهم ويقتلون أبناءهم ويفارقون أوطانهم لأجله وامتثالا لأوامره ، وأزكى الأعمال عندهم ما أرضاه بلا دنيا بسطها فيهم ، ولا أموال دفعها إليهم ، ولا لرئاسة كانت له عليهم ، بل كان يتيما فقيرا وحيدا معيلا محتاجا . ثم جاءهم مجيئا ما جاء نبي قبله في مثل حاله ، فان موسى صلّى اللّه عليه وسلم أتى قومه من بني إسرائيل ، وهم أولاد الأنبياء ، قد اعتقدوا الربوبية وعرفوا
--> ( 1 ) اصطلم الشيء : استأصله . انظر القاموس ، مادة : صلم